الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري

85

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

وأصر على الفساد وما اللّه يريد ظلما للعباد * وكان أمر بمدقة فأحضرت فكان يضرب بها على رأسه بقوّة فتسكن البعوضة لذلك ساعة فيستريح به ثم تعود إلى أن دخل عليه بعض من خواصه يوما فأمر بضربه فضربه بالمدقة وبالغ فشج رأسه ودمغ فزهق الملعوب وقيل ضجر الملعون فضرب رأسه بالجدار حتى انشقت هامته وقامت قيامته فأمر اللّه جبريل فخسف بصرحه وبما فيه الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة * وفي حياة الحيوان قال وهب بن منبه لما أرسل اللّه تعالى البعوض على نمروذ اجتمع منه في عسكره ما لا يحصى عددا فلما عاين نمروذ ذلك انفرد عن جيشه ودخل بيته وأغلق الأبواب وأرخى الستور ونام على قفاه متفكرا فدخلت بعوضة في أنفه ومنخره وصعدت إلى دماغه فتغذت بدماغه أربعين يوما إلى أن كاد يضرب برأسه الأرض وكان أعز الناس عنده من يضرب رأسه ثم سقطت منه كالفرخ وهي تقول كذلك يسلط اللّه رسله على من يشاء من عباده ثم هلك حينئذ * قال ابن إسحاق ولما نجى اللّه إبراهيم من نمروذ الجبار واحراق النار استجاب له رجال من قومه حين رأوا ما صنع اللّه به من جعل النار عليه بردا وسلاما وأسلم خلق كثير على خوف من نمروذ وقومه وآمن له لوط وقيل هو أوّل من صدّقه وكان ابن أخيه هاران وهو لوط بن هاران بن تارخ وهاران أخو إبراهيم وكان له أخ ثالث يقال له ناحور وهو جدّ لقمان الحكيم كما مرّ وقيل أوّل من آمن بإبراهيم بعد خروجه من النار سارة بنت هاران قالت يا إبراهيم آمنت باله جعل النار عليك بردا وسلاما فقالت أم إبراهيم ألا تخشين قتلك قالت كيف أخاف وقد آمنت برب إبراهيم ولما رجع إبراهيم إلى منزله نكحها وكانت من أجمل نساء أهل زمانها قيل كان حسن يوسف ثلث حسن سارة واختلف المؤرّخون في هاران أبى سارة فبعضهم على أنه ملك حرّان ونكح إبراهيم ابنته سارة حين هاجر من وطنه إلى حرّان وقال بعضهم هو أخو إبراهيم وكان نكاح بنت الأخ جائزا في شريعتهم وبعضهم على أنه هاران الأكبر عم إبراهيم وكان اسم عمه وأخيه متوافقين واللّه أعلم * وفي عرائس الثعلبي سارة بنت ناحور روى أن النمروذ بينما كانوا يأتمرون أن يكيدوا لإبراهيم كيدا ويعذبوه بنوع آخر فأخبره بمكرهم ابن أخيه لوط بن هاران فخرج من كوثى أرض العراق مهاجرا إلى ربه وسار بأهله سارة ومعه لوط يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه وخرج معهم آزر أبو إبراهيم وكان مقيما على كفره ولما نزلوا حران مات بها آزر على كفره فمكث بها إبراهيم ما شاء اللّه ثم خرج منها بمن معه فنزل الرها ويقال بعلبك ثم خرج منها إلى الشام فوجد بها الجوع فسار إلى مصر فوجدوا فيها فرعونا من فراعنتها يقال له سنان بن علوان من أولاد سام بن نوح عليه السلام ثم خرجوا إلى الشام فنزل إبراهيم السبع من أرض فلسطين وهي برية الشام ونزل لوط الأردن فأرسله اللّه نبيا إلى أهل سدوم وما يليها وكانوا أهل كفر وفواحش وسيجيء بقية قصة لوط وقال مقاتل هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة * ذكر سارة روى أن إبراهيم لما هاجر من أرض بابل اتخذ تابوتا لسارة وكانت من أحسن النساء وجها تشبه حوّاء في حسنها فأدخلها التابوت وحملها معه وكان ممرّه على عشار فعشر ماله حتى بلغ التابوت فقال افتحه حتى أقوّم ما فيه وأعشره قال إبراهيم لا يمكنني فتحه هب أن ما فيه كله ديباج وحرير فاعشره فأبى ذلك قال هب أنه دراهم ودنانير وجواهر فأعشرها فأبى الا الفتح ففتح إبراهيم باب التابوت فإذا فيه امرأة حسناء لم ير الناس مثلها فأخبر بها ملكه وكان يميل إلى النساء قال السهيلي اسمه صاروف ملك الأردن وكانت هاجر له فسأل إبراهيم من أين لك هذه المرأة قال هي أخت لي وخاف أن لو قال امرأتي يقتله وأراد بالأخت الأخت في الاسلام فأرسل إليها فأخذها منه عجبا منه لجمالها فأدخلها في قصره وبقي إبراهيم خارج القصر متحيرا فجعل اللّه حيطان القصر شفافة كالزجاج حتى يرى إبراهيم باطنها من ظاهرها فلما دنا الملك منها رأى وجها لم ير مثله قط فمدّ يده إليها ليضمّها